- العقيدة الإسلامية
- /
- ٠1العقيدة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أسباب الضّلال في الأرض:
أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الثامن والخمسين من دروس العقيدة.
وصلنا إلى موضوع دقيق جداً وهو أسباب الضلالات الاعتقادية، أي في الأرض ضلال، إذا عرفنا أسباب هذا الضلال أمكننا تجَنبه، فمعرفة السبب مهم جداً لتجنب النتيجة، فإذا كان في الأرض ضلالٌ، هذا الضلال مِن أين أتى؟ ما أسبابه؟ ما علته؟ كيف كُرِّس هذا الضلال؟ كيف انتشر؟ هذا ما يدور حوله موضوع اليوم.
الحقيقة هناك ثلاثة أسباب كبرى للضلال؛
انحراف فكري وانحراف نفسي وضعف في الإرادة، هذه الأسباب الثلاث الكبرى تؤدي إلى الضلال الذي هو أخطر شيء في حياة الإنسان، أن يكون الإنسان فقيراً ومهتدياً فهو من الناجحين، أن يكون مريضاً ومهتدياً فهو من الفائزين، أما أن يكون ضالاً فهذا الضلال مؤدّاه إلى النار، الضلال هو الهلاك.
ينبغي على المسلم أن يكون سلاحه الكتاب والسنة حتى يرجع إلى الصواب:
من باب التذكير أننا في مطلع دروس العقيدة، أي تَوَضَّح لكم أن العقيدة الصحيحة لها مسالك، لها منافذ، لها طرق، مِن هذه المسالك اليقين الحسي، فأنا أعتقد أن الشمس ساطعة، لأنني أراها بعيني، الكل أكبر من الجزء، هذا الإنسان يراه بعينه،
الإنسان أحياناً تبرق في ذهنه بارقة، تأتيه خاطرة، يفكر في موضوع، يتوهم نتيجة، قد يعتقد بهذه الفكرة أنها صحيحة من دون أن يضعها على المِحَك، من دون أن يمتحنها، هل كان استنتاجه صحيحاً؟ هل كانت المقدمات التي وصل بها إلى النتائج صحيحة؟ من هنا قد تأتي الإنسان فكرة دون أن يُمحّصها، دون أن يمتحنها، دون أن يضعها على محك الواقع والتجربة، وعلى محك اليقين الاستدلالي أو اليقين الإخباري، يقبلها، وهذه الفكرة قد تَرُوج في مجتمع ما، أي فكرة لم تُمحّص، فكرة لم تُمتَحن، فكرة لم تخضع لمقاييس الشرع، فكرة لم تخضع لأصول الفهم، فكرة لم تخضع لمقاييس العقيدة الصحيحة، هذه الفكرة تروج وتنتشر، وفي النهاية تصبح بعد عشرات السنين عقيدة ضالة يعتنقها أناس كثيرون.
أخطر شيء في حياة المسلم أن تكون بعض معتقداته ضلالاً، أن يتوهم أن هذا الشيء حقّ وهو باطل، أن يعتقد أنه صحيح وهو غير صحيح، لذلك العقيدة أخطر شيء في حياة الإنسان، إن صحت صحّ عمله، وإن فسدت فسد عمله، والعقيدة لا تُؤخذ إلا من كتاب الله، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، ولا تؤخذ إلا مما تواتر من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، العقيدة فقط، الأحكام الشرعية تؤخذ من الأحاديث الآحاد، لكن العقيدة التي يجب أن تُعْلَم بالضرورة والتي إذا أنكرها الإنسان وقع في الكفر، هذه العقيدة تؤخذ من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة المتوافر منها، فأية فكرة ليس لها أصل في كتاب الله أو أصل في سنة رسول الله المتواترة، أي فكرة تُخالف ما جاء عن طريق النقل الصحيح عن كتاب الله وسنة رسول الله فهي فكرة ضالة بعيدة عن الواقع.
أسباب ضلال الانحراف الفكري:
1- أخذ الأشياء على ظواهرها من دون تمحيص علمي:
سؤال؛ ما منا واحد إلا ويتكلم، راقب نفسك هذه الفكرة التي تقولها للناس ما مصدرها؟ ما الدليل عليها؟ هل هي صحيحة؟ أمعك عليها دليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ من قال هذا؟ أما أن نأخذ الأشياء على عواهنها، إنسان تكلم، مثقف قال، كتاب قُرِئ، مقالة قرئت، واعتنقنا شيئاً، هذا الدواء يزيد في العمر، هناك آية قرآنية:
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ
هذه المقالة التي قرأتها في هذه المجلة كلام باطل، وعقيدة ضالّة، وفكرة واهمة، لأنها تُناقض آية صريحة في كتاب الله، قد يقول لك قائل: إن الله عزّ وجل يُدْخِل الناس الجنة بلا عمل، إذاً بالأمل؟! قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ
أية فكرة إياك أن تقبلها ما لم تكن صحيحة وفق كتاب الله، والإنسان عليه أن يسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، هكذا قال الله عزّ وجل:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾
أنت عود نفسك، في العقيدة لا يجوز التقليد، لك أن تُقلِّد الصالحين في أعمالهم، لك أن تُقلد في الأعمال، الصالح يُقلَّد، العالم يُقلَّد، من قَلَّد عالماً جاء يوم القيامة غانماً، لكن في العقيدة لا يُقبَل التقليد، لأنك إذا قلّدت في العقيدة لا تملك البرهان، قد يأتي إنسان فيقنعك بعكسها، العقيدة يجب أن تؤخذ بالدليل القطعي الساطع، لذلك الأشياء التي يجب أن تعتقد بها بالضرورة هي أخطر ما في الجانب العقيدي في الإنسان.
إذاً أن تأتيك خاطرة، أن تُفكر في موضوع، أن تصل إلى شيء، أن تقرأ مقالة، أن تجلس إلى رجل يقول لك كذا وكذا، من دون أن تطالبه بالدليل النقلي من كتاب الله، ومن الحديث الشريف المتواتر، من دون أن تطالبه بالدليل فقد تتسرب إليك عقيدة ضالة، لذلك أحياناً الأفكار المنحرفة تَرُوج بين البسطاء، وبين أنصاف المثقفين، وبين العامة، لأن هذا العامي لا يطالبك بالدليل، ليس في إمكانه أن يناقشك، ليس في مقدوره أن يسألك: من أين جئت بهذه الفكرة؟ هو يسكت، قد يأخذ الفكرة من قائلها إذا كان عظيماً، أو إذا كان مُفوَّهاً، أو إذا كان متكلماً، أو إذا كان وجيهاً، يأخذها على عواهنها هذا خطر كبير.
2- اعتبار العقل هو الميزان لا الشرع:
أحياناً العقل كما قلت لكم الدين بالنقل، وبالعقل الموافق للنقل، نحن بالنقل نعتقد، وبالعقل نفهم ما نعتقد، بالنقل نعتقد وبالعقل نفهم ما نعتقد، العقل قوة إدراكية لفهم ما جاءنا بالنقل عن الله عزّ وجل، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك حينما يُعتَمد على العقل وحده، قد يضعف العقل، وقد يضلّ العقل، وقد يتيه العقل، وقد يغلو العقل، وقد ينحرف العقل، لذلك الله عزّ وجل وضع الشرع ميزاناً للعقل، وضع العقل ميزاناً للكون، ووضع الشرع ميزاناً للعقل، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)﴾
فالعقل ميزان، والشرع ميزان على الميزان، فالفكرة التي تتطابق مع كلام الله ومع المنطق ومع الواقع، هذه مقاييس ثلاث أن تؤيدها الأدلة النقلية، وأن تؤيدها الأدلة العقلية، وأن تؤيدها الأدلة الواقعية.
3- التقليد الأعمى للآباء:
أحياناً التقليد أعمى، هذا مرض خطير، قال تعالى:
﴿ بَلْ قَالُوا
سمّوه علماء الاجتماع قوة الاستمرار، مجتمع نشأ على تقديس البقر مثلاً، كما في الهند، البقرة شيء مقدس، هناك مجاعات، مئات الألوف يموتون جوعاً، وأكبر قطيع من الأبقار في العالم في الهند، البقر لا يُذبح إلى أن يموت وبعدها يُدفن ويُقدّس، فكيف انتشرت هذه الضلالات؟ بحكم التقليد، جيل عن جيل، جيل عن جيل وَرِث هذه المقدسات وتابعها، فالإنسان ينبغي أن يكون حرّ التفكير، أن يبني بنيانه الفكري على بينة، على أدلة، على واقع، فالتقليد الأعمى سبب خطير جداً من أسباب الضلالات، الكلام الشائع الآن بين الناس: هكذا نشأنا، هكذا ربينا، هكذا كان آباؤنا، هكذا فعلنا، ومن قال لك ذلك؟ أحياناً يقول لك: هكذا ربينا، كنـت مرة في قرية، يأتي البدوي يحتاج إلى ثمن علف، يضطر إلى أن يبيع الصوف، الذي سوف ينبت على ظهور أغنامه في الموسم القادم بثمن بخس، يقول لك: بيع السلم، بيع السلم حقّ، لكن أن ينقلب بيع السلم إلى ربا فاحش، سعر رطل الصوف مثلاً ثلاثون تشتريه بخمسة عشر، تدفع له مقدماً ثمن الرطل خمسة عشر لتأخذه في موسمه بهذا الثمن البخس، هذا أحد أنواع الربا، المظهر مظهر بيع سَلَم، أما الحقيقة فهو ربا، يقول لك: هكذا نشأنا، هكذا تربينا، هكذا نفعل جميعاً.
كل اعتقاد، أو كل سلوك، أو كل علاقة مالية، أو اجتماعية مبنية على سبب واه هي ضلالة، أحياناً ينشأ بحياتنا الاجتماعية اختلاط، يقول لك: هكذا ربينا، هكذا نشأنا، هكذا أبونا علمنا، على هذه الطريقة كبرنا، هذا كلام مرفوض، لأن المسلم يبني عقيدته على الوضوح والأدلة، فكل سلوك منحرف مرفوض ولو أن الناس مشوا عليه أجيالاً إثر أجيال، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)﴾
أي دعوا في أذهانكم موضوع التقليد الأعمى، التقليد الأعمى أحد أسباب الضلال، لا ينبغي أن تُتابع الناس على ضلالهم، ولا أن تَرِث منهم ضلالهم، ولا أن تنشأ كما نشؤوا، ولا أن تنحرف كما انحرفوا، ولا أن تزيغ كما زاغوا، الله سبحانه وتعالى يُحاسبك وحدك يوم القيامة، حينما تأتيه فرداً، لا مُعين ولا نصير، قال تعالى:
﴿
4- الغلو في تقديس الأشخاص:
لا تنسوا أن السبب الأول هو الغرور بالنفس، اعتقدت عقيدة ما وضعتها على المحك، ولا على قوانين الشرع، ولا على أدلة العقل، اعتقدت بها من دون تمحيص، بدافع الغرور هذا سبب، والسبب الثاني: العقل الذي اعتمدت عليه وحده قد يضعف، وقد يضلّ، وقد يزلّ، وقد ينحرف، وقد يغلو، وقد يُقَصّر، هذا سبب ثان، والتقليد الأعمى سبب ثالث لتسرب الضلال إلى عقيدة الإنسان.
أحياناً المبالغة في تقديس بعض الناس، الإنسان له حجم، أغلب الظن أن المعتقدات الباطلة قد تتأتى من إنسان عظَّمه الناس فوق ما ينبغي، هؤلاء الصالحون قد يموتون ويعظّمهم الناس إلى درجة أنهم يُصبغون عليهم صفات فوق صفات البشر، ويُعزون كل خرافة، وكل شطحة، وكل انحراف إليهم، فالمبالغة في تقديس بعض الناس أحد أسباب الضلال، أنا دائماً أردد هذه الآيات، النبي صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق، وإمام المرسلين، وسيد الأنبياء، وأول خَلْقِ الله، وأعظم إنسان على وجه الأرض، ومع ذلك له حجم، من ملامح حجمه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:
﴿
الآن أي ولي يدّعي الولاية، ويقول لك: أنا أملك لك نفعاً أو ضراً، هذا ضلال، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولياء والصالحين، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، إذا كان عاجزاً عن أن يملك لنفسه النفع والضر أفيكون قادراً على أن يملك لك النفع والضر؟ من باب أولى لا، إذا كنت أنا لا أستطيع أن أفعل هذا لنفسي أفبإمكاني أن أفعله لكم؟ انظر هذه الآية ما أجملها!
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
حجم آخر:
﴿
سيد العالمين، سيد ولد آدم ولا فخر، سيد الأنبياء والمرسلين، صاحب الخلق العظيم لا يعلم الغيب، فأي إنسان ادّعى علم الغيب فهو كاذب، وهو منحرف، وهو ضال.
حجم ثالث، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ
ممكن أن يكون وليّاً مقيماً على معصية؟ هذا الولي لا تضره هذه المعصية، هذا الكلام ليس صحيحاً، هذا الكلام يتناقض مع كلام الواحد الديان، يقول لك: قل يا محمد لهم:
فلذلك المبالغة في تقديس بعض العلماء من الناس، وأن تنسب كل انحراف، أو فكرة ضالة، أو شطحة إليهم، هذا من الضلال، هل يمكن أن يكون الولي فوق النبي؟ هل يمكن أن نقبل أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء؟ هل يمكن أن نقبل من يقول: إنني خُضت البحر الذي وقف بساحله الأنبياء؟ لا، أعظم الأولياء دون آخر الأنبياء، هذا مقياس، فالإنسان عندما يسمع قصصاً، يُنقح، يمحص، يدقق، يحقق، يطلب الدليل، يقرأ كتاب الله، قبل كل شيء أطمئنكم أن كتاب الله هو كتاب عقيدة، هذا الكتاب الذي أُدرِّسه كل فكرة فيه معتمدة على آية قرآنية، هذه الفكرة وهذه الآية، إذاً أنت إذا قرأت القرآن الكريم، واستمعت إلى تفسيره، وتابعت دروس التفسير، مع مرور الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات كأنك تعرف حقيقة العقيدة، لأن الله عز وجل كل شيء يجب أن نعتقد به ورد ذكره في القرآن الكريم، فقراءة هذا الكتاب العظيم هو كتاب عقيدة، وكتاب أحكام، وكتاب سير، وكتاب مواعظ، وكتاب قصص حكيمة ذات عبرة بليغة، وكتاب آيات كونية، لذلك تجد كتاباً شهيراً جداً: تفسير آيات الأحكام، تفسير الآيات الكونية في القرآن، القصص في القرآن، هذه كلها، مشاهد القيامة في القرآن، فهذا القرآن العظيم يمكن أن تُستنبط منه كتب كثيرة، كتب العقيدة تأخذ من القرآن، كتب قصص الأنبياء تأخذ من القرآن، وهكذا.
5- الاعتماد على الفلسفة وحدها:
شيء آخر؛ لا زلنا في الانحراف الفكري، هناك فلسفات ناقصة، هذه الفلسفات الناقصة هي تُسَبّب بعض الضلالات الاعتقادية، أي الفلسفة التي تعتمد على العقل وحده هذه فلسفة ناقصة، العقل وحده ليس مؤهلاً أن يُثبِت شيئاً في الدين أو أن يرفضه، لكن العقل مسموح له أن يفهم ما ورد بالنقل الصحيح، فحينما نعتمد على العقل وحده وهذا ما فعله المعتزلة حينما اعتمدوا على العقل وحده في إثبات أو نفي حقائق الدين، العقل قد يَضِل، العقل كأنه عين النفس، هذه العين تحتاج إلى نور، كذلك العقل يحتاج إلى هدى، العقل من دون هدى أعمى، والعين من دون ضوء عمياء، فالفلسفة التي تعتمد على العقل وحده فلسفة ضالة، كل فلسفة تُحكِّم العقل من دون أن تنظر إلى ما ورد بالنقل هذه الفلسفة لابد من أن تنحرف.
إن عقولنا لا تستطيع وهي مستقلة أن تُدرك شيئاً من الحقائق الثابتة لذواتي ولصور الأشياء الداخلة في عالم الغيب، إذا إنسان ذكي جداً مهما كان عبقرياً من دون نقل، من دون كتاب الله، كيف يعرف ما سيكون يوم القيامة؟ البرزخ وعذاب القبر والحشر والميزان والصراط والجنة والنار والعفو والشفاعة، هذه الأمور الدقيقة أنى للعقل أن يعرفها من دون هدى؟ من دون نقل؟ وما كان في عالم الأزل، هذا كله من الضلال أن تعتقد أن العقل وحده من دون اعتماد على النقل الصحيح يصل العقل إلى الحقيقة، العقل عين تحتاج إلى نور، العقل عين تحتاج إلى هدى.
إذاً من أسباب الضلال أيضـاً أن تعتمد بعض الفلسفات على جانب دون آخر، فالذين اعتمدوا على عقولهم وحدها أحياناً وقعوا في التشبيه، أي شبهوا الإله العظيم ببعض مخلوقاته، وهذا زيغ كبير في العقيدة، وبعضهم وقع في التعطيل، أي عطل التشابيه، أو عطل المجازات القرآنية التي وردت في حقّ الله عزّ وجل، هناك من عطلها، وهناك من جسدها، وكلاهما اعتماداً على عقله وحده وقع في ضلال.
ولو أن جميع الذين ضلّوا في عقائدهم بسبب تحكيم عقولهم في أمور الغيب رجعوا إلى عقولهم ببصر نافذ، وإذعان للحق، واعتراف بالعجز، لقالوا: إن عقولنا محدودة بحدود المحسوسات، فلا يمكن أن نعرف بها بشكل مستقل صورة ظاهرة من صور الغيب يمكن أن نتخيلها.
طبعاً دائماً اعترف أن عقل الإنسان مثل الميزان، له حدود قصوى، هناك ميزان مكتوب عليه: خمسون كيلو، لو فرضنا وضعت فوقه طرداً وزنه خمسمئة كيلو فكُسر الميزان، هل تتهم هذا الميزان أنه سيئ؟ لا، هذا الميزان حينما صُنِع وُضِعت حدود دقته في حدود استعمال الخمسين كيلو، أما أكثر من ذلك يتحطم، كذلك هذا العقل حينما وهبنــا الله إياه وُضِع بطريقة أنه يُستخدم استخداماً رائعاً في الاستدلال الحسي، أي تستطيع أن تأخذ من الواقع دليلاً على شيء مُغَيب عنك، أبسط شيء أنك إذا رأيت المصباح الكهربائي متألقاً هذا العقل يحكم بشكل قطعي على أن في الأسلاك كهرباء، ولو أنك لا تراها، هنا دائرة العقل، الاستدلال بشيء محسوس عن شيء مغيب، أما عالم الأزل وعالم الأبد وعالم ما قبل الحياة وما بعد الموت لا يوجد شيء محسوس نتخذه أساساً للاستنتاج، فلذلك استخدام العقل وحده في المغيبات أحد أنواع الضلال.
يوجد عندنا فلسفات تافهة، وناقصة تعتمد على الحس وحده، كل شيء غير مادي، غير حسي، غير صحيح، هذه الفلسفة الوجودية المادية التي لا تعتمد إلا على الحس، كل شيء مُغَيّب عنا يُنكره المنكرون، ويجحده الجاحدون، إذاً هذه الفلسفات التافهة والناقصة أيضاً فلسفات تُسبّب الضلال الاعتقادي.
الذي نؤكده أن البند الثاني مهم جداً في هذا الموضوع وهو أحد أسباب الضلال الاعتقادي الانحراف النفسي، هذه مهمة جداً، أول سبب: الانحراف الفكري، فلسفة تافهة، فلسفة ناقصة، مبالغة في تقديس بعض الناس، ضعف العقل، التقليد الأعمى، الغرور بالنفس، هذه كلها أسباب فرعية لسبب كبير وهو الانحراف الفكري عن منهج التفكير السليم.
أسباب ضلال الانحراف النفسي:
1- اتباع الهوى والشهوات:
أما الشيء الخطير الآن أن الانحراف النفسي عن منهج الخلق القويم أحد أسباب الضلال الاعتقادي، مثلاً إذا إنسان شهواني، يحب الاختلاط، هذا الإنسان حينما اتبع شهوته حدث في نفسه خلل، اختلال توازن، هذا الخلل كيف يُرمّم؟ يُرمم بالاعتقاد الفاسد، يقول لك: هذا لابد منه من أجل تهذيب المشاعر، وتنقية الأجواء، وتلطيف الأجواء، يأتي بالاختلاط ليجعل منه طريقاً إلى سمو النفس، لأن تعلقه بالاختلاط هو انحراف في الشهوة، هذا الانحراف سبّب اختلالاً في التوازن النفسي، هذا الاختلال يُرمم هكذا، الذي يأكل الربا تراه يعتقد أن قوله تعالى:
﴿
يقول لك: الذي حرمه الله عزّ وجل هذه الفوائد المُركبة الكبيرة جداً، هذا فقط محرم، وهذه الآية، إذاً كيف ضلّ عقله في فهم هذه الآية؟ لأنه منحرف في أكل الربا، أكله للربا جعله يعتقد أن هذه الآية تعني كذا وكذا، هذه نقطة خطيرة جداً، الإنسان الذي يعاني انحرافاً أخلاقياً، أو واقعاً في معصية مُصرّ عليها، أو له زيغان عن الحق، هذا الانحراف الأخلاقي يدفعه شاء أم أبى إلى تَخيُّل عقيدة فاسدة.
شخص يغش: يقول لك: يا أخي أنا عندي أولاد، والعمل عبادة، ولا أقدر أن أضيع أولادي، فأنا مضطر أن أعمل ذلك، يستحلّ الغش ليُبرر عمله السيئ، والذي يأكل أموال الناس بالباطل، يستحلّ أكل أموال الناس بالباطل ليغطي انحرافه السلوكي، هذه نقطة مهمة جداً، أي أربعة أخماس الضلال الاعتقادي سببه الانحراف الأخلاقي، كل منحرف أخلاقياً في كل شأن من شؤون الحياة، فيما يتعلق بكسب المال أو في الشهوات، هؤلاء المنحرفون أخلاقياً يتعلقون بعقائد ضالة وزائغة، لأن هذه العقائد الضالة الزائغة تغطي انحرافهم.
مثلاً المقيم على معصية، الذي يأكل المال الحرام، هذا يعتقد بمفهوم ساذج للشفاعة، لماذا هذا المفهوم الساذج غير الصحيح؟ هذا يُنَجيه من عذاب النار، يتعلق بهذا المفهوم حتى يستعيد التوازن الذي اختلّ في هذه المعصية، لو أن طالباً أمضى العام الدراسي كله من دون دراسة، شاعر بخلل داخلي، فإذا سمع هذا الطالب مِن طالب آخر أن الأستاذ يمكن أن يعطي الأسئلة في آخر العام مقابل مبلغ ضخم، الفكرة هذه خرافة، تراه يصدقها، ويطمئن لها، ويتمسك بها، لأن هذه الفكرة الخرافية الضالة تُعيد له التوازن الذي اختلّ بعدم الدراسة، كل إنسان ينحرف اخلاقياً بشكل أو بآخر يتعلق باعتقاد زائغ، باعتقاد ضال، لذلك قال تعالى:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
هو نفسه، آية ثانية:
﴿
إن لم يستجب، إذا أصرّ على عقيدة ضالة، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، هذه حقيقة مهمة جداً أتمنى عليكم أن تكون دائماً في أذهانكم، أن الذي تُناقشه إذا أصرّ على الضلال، أصرّ على الزيغ والانحراف، يجب أن تعلم علم اليقين أنه يدافع عن أخطائه، وعن انحرافه، عن ضلاله السلوكي، يدافع عن ضلاله السلوكي بالضلال الاعتقادي.
والإنسان دائماً يعتقد عقيدة تغطي انحرافه، هؤلاء الذين أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا كل شيء غير صحيح، العقيدة التي تُناسب هذا الانحراف الخطير أن تُنكر وجود الله عزّ وجل، وتنكر المسؤولية كلها، لذلك العقيدة تَضِلّ وتنحرف تماماً بنسبة انحراف السلوك، كلما كانت زاوية الانحراف كبيرة كلما كانت زاوية انحراف العقيدة كبيرة، فإذا كان الانحراف شاملاً كان الإلحاد شاملاً، إذاً:
﴿ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6)﴾
هذا الفاجر المنحرف هو الذي يُنكِر أو يسارع في إنكار يوم القيامة، هناك آية ثانية:
﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾
فالتكذيب بالعقيدة الصحيحة سببه الانحراف الخطير.
2- أمراض القلب ويشمل الحسد والحقد والكِبر والنوازع النفسية المتنوعة:
الشيء الآخر؛ الحسد أحد أسباب الضلال، أنت حينما تستمع إلى الحقيقة من إنسان تحسده تردها عليه، وتُصرّ على الباطل حسداً من عند النفس لردّ هذا الذي يقول لك الحقيقة الصافية، أحياناً الحسد يُسَبب الضلال الاعتقادي، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)﴾
﴿
لماذا؟
والكبر أيضاً أحد أسباب الانحراف الاعتقادي، أي يعتقد فكرة حمقاء، أو ساذجة، أو ضالة، أو زائغة، ولا يتراجع، يُصرّ عليها بدافع الكبر، وهذا أيضاً أحد الأسباب التي تُسبب الهلاك.
وكذلك الأحقاد المتوارثة أيضاً تُسبب بعض الضلال الاعتقادي، هذا بين الملل والنِّحل إذا كان بينها أحقاد متوارثة، هذه أيضاً سبب من أسباب الضلال الاعتقادي.
3- ضعف الإرادة:
قد يكون السبب الأخير كما قال الله عز وجل ضعف الإرادة، قال تعالى:
﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾
الإنسان أحياناً تضعف إرادته عن أن يُجابه الباطل، فيعتقد بالباطل ابتغاء السلامة، وخوفاً من المضايقات، فهذا الضعف النفسي أدّى به إلى اعتقاد ضلالي، وهذا سبب أخير من أسباب الضلالات، كما قلت قبل قليل: أخطر ما في حياة المسلم أن يكون مُعتقداً عقيدة ضالة، وأسبابها كما قلت: انحراف عن منهج الفكر السليم، أو انحراف نفسي، أو ضعف إرادي، أسباب ثلاث فُصِّلت في هذا الموضوع.
الملف مدقق
والحمد لله رب العالمين